في أعماق الجمجمة في حجرة صغيرة مظلمة تجلس غدة صغيرة حجمها لا يتجاوز حبة البازلاء تسمى “الغدة النخامية”
هذه الغدة تدعى أيضا “ماستر جلاند ” أو قائدة الأوركسترا الهرمونية، ورغم صغر حجمها إلا أنها تتحكم وتهمين على كل ما يتعلق بالنمو الجسدي والنفسي والروحي للإنسان .
يوم غير عادي، يوم لايحتسب من أيام عمري، ذلك اليوم الذي ألتقي فيه مع هذه الأسطورة الغريبة، مع هذه الملكة المتوجة، لأجري معها حوار بغرض إزاحة الستار عما تخفيه من غرائب وأسرار ..وكيف أنها تسيطر على كل كبيرة وصغيرة في جسم الإنسان من بداية طفولته حتى الشيخوخة .
من خلال هذا الحوار التاريخي سنعرف كيف تطلق هذه الأسطورة العجيبة أوامرها إلى الغدد الأخرى وتتحكم في مصير جسد بأكمله .
سنعرف لأول مرة من خلال التحاور مع هذه الأسطورة عن إجابات وردود مقنعة لتساؤلات تعجز عن وصفها كلمات ولا تستوعبها حروف ولا أبجديات..
سنجلس معها عن قرب لتبوح لنا عن أعمالها السحرية التي تفوق الخيال في جسم الإنسان .
وإليكم نص الحوار :
في البداية ..يسعدنى عن أتعرف على شخصيتك الفريدة ..
أنا الغدة النخامية وأقيم في أعماق الجمجمة، أنا سيدة الغدد الصماء وأنا ألعب دور القائد الذي يصدر أوامره إلى الغدة الدرقية والغدة الكظرية والغدد التناسلية بالإضافة إلى إفراز البرولاكتين (إنتاج الحليب ) فعندما أرسل هرمون صغير يتغير الجسد بكامله لأنظم النمو والتكاثر والحليب بعد الولادة وحتى أتحكم أيضًا في توازن الماء والأملاح في كل خلية .
من أقوالك المأثورة ” القوة ليست بالحجم بل بالتأثير ” هل من توضيح ؟
رغم أن حجمي صغير لا يتجاوز حجم حبة البازلاء، لكني أسيطر على كل كبيرة وصغيرة فيما يتعلق بالنمو الجسدي والنفسي والروحي للإنسان . بفضل ربنا قادرة على صنع أمم من الهرمونات التي تسيطر على الإنسان منذ ولادته حتى الشيخوخة، بدوني يتوقف النمو بشتى صوره وأنا كلي ثقة وأنا جالسة في عمق الجمجمة أفتخر بأنني قطب الغدد الصماء وفي يدي المفتاح الذي يدير مسرح الجسد ..
لو حدث خلل أو اضطراب (لا قدر الله ) عندك ..ماذا تكون النتيجة ؟
النتيجة تكون صادمة ! تسقط سلاسل كثيرة، تتعطل الغدة الدرقية.. تنهار الغدة الكظرية ..يختل الانجاب أكدت The lancet diabetes and indocrinolog أن اختلال هرمون النمو عندي يؤثر ليس فقط على القامة بل أيضًا على القلب والأوعية الدموية والعضلات وبحسب nature reviews indocrinolog أنا في يدي المفتاح الذي يفتح أبواب النظام الهرموني كله ..
اذن أنا كقائد عظيم قد اتعرض للخلل وأنا كعدة نخامية قد أصمت أحيانًا فلا أرسل أوامري بسبب قصور عندي فيضعف النمو وتختل الطاقة وحتى الإنجاب يتوقف وعندما أفرط في اوامري وأنتج هرمونات دون حساب يظهر على الجسد طغيان (نمو غير طبيعي في العظام والأطراف واضطراب في الدورة والحليب أو حتى أورام صغيرة تربك الحسابات أو يظهر ورم غدي حميد صغير الحجم يضغط على الأعصاب البصرية فيغير الرؤية ويربك العين ).
عرفنا مدى الخطورة على نمو الإنسان لو حدث خلل لسيدة الغدد (أقصد حضرتك ) والسؤال: هل هنآك أمل للتعافي والشفاء ؟
الحقيقة أن العلم لم يتركني دون علاج فالعلاج الهرموني يجعلني أعيد توازني وبالعمليات الدقيقة عبر المنهج التنظيري يمكن إزالة الأورام التي تحدث بأمان وحتى الأبحاث الجديدة في nature medicine تبشر بعلاجات مستقبلية تستهدف الخلايا بدقة متناهية . اذن أنا ممكن أتعب أو يحدث لى اختلال لكن الطب والعلم يمنحاني فرصة جديدة لأعود قائدة مستحقة.
يقولون بإنك جسر الاتحاد والتحول الداخلي وأيضا تأخذين مكانك الفريد كجسر طاقي مقدس ..ما قولك ؟
نعم في أعماق كل إنسان صراع داخلي بما يعرفه العقل وما يشعر به القلب، بين صوت المنطق وصوت الحدس بين الحاجة والهيكل والرغبة في الانطلاق وهنا يأتي دوري لآخذ مكاني كسر طاقي مقدس .
فأنا بصفتي قائدة للغدد الصماء، معظم الهرمونات التي أفرزها ليست تتحكم فقط في الصحة الجسدية بل في المزاج والعاطفة وحتى في الوعي الروحي أيضًا .
لكن ماهو اعمق من هذا أنه من خلالي يمكن دمج الطاقتين الذكورية والأنثوية .
تذكرين أنه من خلالك يمكن دمج الطاقتين الذكورية والانثوية ..ما نتيجة هذا الدمج ؟
من خلال هذا الدمج تتفتح أبواب جديدة في داخل الانسان، حين أعمل بطريقة صحيحة وبوعي تبدأ هاتين الطاقتين في الانسجام الذكورة تعطي الإنسان الرؤية والحماية والاتجاه، والأنوثة تهبه الحدس والإبداع والاحتواء وتكون النتيجة إنسان متوازن قادر على الرؤية والشعور في آن واحد، قادر على التخطيط بصلابة والتنفيذ بلين، قادر على احتضان ذاته كما هي دون صراع داخلي أو رفض لأي جانب .
وهنا نصل إلى جوهر الصحوة الروحية وهي ما تسمى ب “الاستنارة”
في سياق متصل بخصوص الدمج تذكرين لفظ “استنارة” هل من توضيح ؟
الاستنارة ليست لحظة خارقة تأتينا من السماء بل هي تتيجة فهم داخلي عميق، فهم للطبيعتين المتناقضتين وتصالح معهما واحتضان لهما وحين يحدث هذا التوازن يسمع الإنسان بوضوح صوت ذاته العليا فيصبح الحدس أقوى والرؤية أوضح والقلب أكثر طمأنينة.
يبدأ الانسان يعيش الحياة ليس كصراع بين القوتين بل كرقصة متناغمة بين الذكر والأنثى داخله .
الكلام مع حضرتك ممتع جدًا وقبل أن يسرقنا الوقت، نريد أن نعرف كيف يتحول الإنسان من إنسان ممزق بين الطاقات إلى روح متزنة تسير بثقة في دربها الخاص ؟
لتحقيق التوازن قدمت لنا التقاليد القديمة ممارسة عميقة تعرف ب “الخيمياء الداخلية ”
والجدير بالذكر ..الخيمياء ليست تحويل الحديد إلى ذهب كما يعتقد البعض بل هي تحويل النفس من التمزق إلى الوحدة، هي فن تحويل الطاقة المبعثرة داخلنا إلى نور صاف عبر ممارسات دقيقة ومقدسة .
الخيمياء تبدأ من التأمل اليومي حيث نهديء الضوضاء ونسمح للصمت أن يعيد ترتيب الداخل- الأنفاس الواعية التي تحرك الطاقة عبر القنوات الدقيقة في أجسامنا – التصور البصري الذي يربط الخيال بالطاقة ويستدعي التجانس بين أقطاب النفس .
وحين تمارس هذه الأدوات بصدق، أبدأ أنا كغدة نخامية في التفاعل، أبدأ في إرسال إشارات جديدة إلى الجسد والروح، إشارات تقول : “لقد بدأت أيها الإنسان طريق التحول”
وهكذا شيئًا فشيئًا يتحول من إنسان يعيش في ردود الفعل إلى كائن واعي يعيش من الداخل، من إنسان ممزق بين الطاقات إلى روح متزنة واثقة في كل خطوة تخطوها ..
انتهى الحوار الجميل .. حوار يترك بصمات في نمونا النفسي والجسدي والروحي من خلال تحاورنا مع الغدة النخامية (سيدة الغدد الصماء ) التي في يدها مفتاح الحياة الصحية والتي حجمها لا يتعدى حجم حبة البازلاء .
تعلمنا الكثير وسعدنا بها وأدركنا أن معرفتها قد تكون الفرق بين فوضى الجسد وتوازنه الكامل ..
سبحان الله خالق الأكوان، كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان ..
هذا الحوار جعلنا نتيقظ ونعرف أننا لا نعرف حين نعرف أننا نعرف، ففوق كل ذي علم عليم وفوق الكل الله الأزلي الأبدي السرمدي .
فنحن كبشر مهما تعمقنا لا نعرف قطرة في بحر علم الله اللانهائي وأكبر دليل على ذلك في حياتنا في أجهزتنا الداخلية ذلك الكون الداخلي الذي فينا الذي يعمل بنظام ودقة واتساق !!
وإلى اللقاء .