كتبت.. أمل اللقاني
لا تُقاس القيادة بالرتب الإدارية أو المناصب الرسمية، بل بما تتركه من أثر لا يُمحى في قلوب الناس والمؤسسات ومن بين السطور المطوية في سجلات القطاع الصحي بمحافظة شمال سيناء، يبرز اسم “ميس آمال شحاتة”، رئيسة تمريض مستشفى العريش العام الأسبق التي لم تكن مجرد كادر إداري، بل كانت صمام أمان، وملاذاً إنسانياً، وحائط صدٍ حامي للفريق الطبي ولمرضى المحافظة طوال سنوات عصيبة.
لم تأتِ مكانة “آمال شحاتة” من فراغ، بل جاءت ثمرة تدرج وظيفي متراكم خاضت فيه كافة المواقع الميدانية، إذ بدأت مشوارها كـ مشرفة تمريض لأكثر من 8 سنوات، ثم شغلت موقع وكيلة التمريض لفترات طويلة، وصولاً إلى رئاسة تمريض المستشفى لأكثر من 13 عاماً.
وانعكاساً لمكانتها الكبيرة وحاجة العمل الميداني إليها، شهدت مسيرتها واقعة فريدة على مستوى المحافظة، حيث صدر قرار وزاري مباشر من وزارة الصحة (وليس مجرد قرار إداري محلي) بإعادتها إلى إدارة تمريض مستشفى العريش العام بعد نقلها لفترة وجيزة للمديرية، وذلك بناءً على طلب إداري وشعبي ملح لضبط منظومة العمل وإعادة الاستقرار للمستشفى.
اقترن اسم “آمال شحاتة” طوال سنوات خدمتها بـ نظافة اليد والنزاهة المطلقة والسيرة العطرة التي بقيت حديث الصغير والكبير في القطاع الصحي، فإلى جانب عفاف يدها وتجردها التام للعمل الإنساني، حظيت بشهادات تقدير رفيعة من قيادات سياسية وتنفيذية، في مقدمتهم المحافظ الراحل اللواء أحمد عبد الحميد، الذي أطلق عليها لقب “دينامو المستشفى”، اعترافاً بحركتها الدؤوبة وقدرتها الفائقة على إدارة الأزمات ميدانياً.
عُرِفت بشخصيتها القوية والراسخة وسط القيادات والزملاء، ولم تكتفِ بالسيطرة الإدارية، بل ركزت على بناء الكادر، فغرست في التمريض الثقة بالذات، مؤكدة أن للتمريض دوراً أساسياً وقيادياً،
اتسمت بالجمع بين حزم القائد ورحمة الأم التي لا تضر أحداً فكانت ترفض رفضاً قاطعاً لأي شكل من أشكال التجاوز بحق كادر التمريض. وحين شهد قسم الاستقبال واقعة اعتداء على الطاقم الطبي، وقفت بصلابة ولم تهدأ حتى استردت حقوق الممرضين كاملة.
احتضنت جميع العاملين كعائلة واحدة دون تفرقة، خلت فترة قيادتها تماماً من أي قرارات تعسفية أو عناد إداري (كالنقل الكيدي أو الإضرار بأحد)، بل ساد المكان انضباط نابع من الحب والاحترام التبادلي والحرص الجماعي على تجنب إغضابها.
عاصرت “آمال شحاتة” ومجلس تمريضها أصعب المحطات النضالية والظروف الأمنية والمناخية التي مرت على شمال سيناء
فــ أثناء السيول والظروف الجوية القاسية، كانت تتواجد على مدار 24 ساعة داخل المستشفى لتأمين الوجبات واحتياجات العمال والمرفقين وضمان استمرار الخدمة الطبية.
شاركت مع تمريض الاستقبال والعمليات في المبيت المستمر بالمستشفى لمراعاة المصابين وتغطية الطوارئ.
نسقت مباشرة مع القيادات الطبية لتغيير مسارات سيارات الإسعاف القادمة من رفح وتحويلها للمستشفى العسكري حمايةً لها من الهجمات.
أسهمت ببراعة وثبات في إخفاء وتأمين العديد من المجندين والضباط المصابين أثناء الهجمات المسلحة، ومواجهة محاولات الاختراق داخل أروقة المستشفى.
ولم يقتصر عطاؤها على مستشفى العريش، إذ تولت إدارة الجودة بالمديرية، وقادت لجان متابعة ميدانية شاقة في مناطق نائية ومكشوفة أمنياً مثل “نخل” بوسط سيناء، متحملة مع فريقها مخاطر الطرق واستهداف السيارات بالرصاص لإصلاح المنظومة الصحية هناك.
ورغم مرور سنوات على بلوغها سن التقاعد، لا يزال منزل “الحاجة آمال” مفتوحاً لكوادر التمريض والكوادر الطبية، وظلت على تواصل ودادٍ ودعم دائم مع زملائها وأبنائها في القطاع الصحي.
لتختتم “آمال شحاته” مسيرتها بكلمات ملؤها الامتنان والتواضع، مؤكدة أن أثر سيرتها الطيبة، وسمعتها النظيفة بين أبنائها وزملائها، وتذكرهم لدورها ودفاعهم عن بقائها هو أعظم تكريم وجبر خاطر يسوى لديها كافة سنوات العطاء والمخاطرة.
تستحق “آمال شحاتة” عن جدارة أن تُذكر كنموذج ملهم للقيادة التمريضية التي جمعت بين نبل الأخلاق ونظافة اليد والشجاعة في أوقات المحن، لترفع لتمريض ومستشفى العريش العام “تاج الفخر”.