حرب تقتل المناخ.. كيف يهدد التصعيد العسكري البيئة والاستدامة؟
الدكتورمصطفى الشربيني.. يكتب

حرب تقتل المناخ.. كيف يهدد التصعيد العسكري البيئة والاستدامة؟
الدكتور مصطفى الشربيني.. يكتب
عندما تتحول الحرب إلى كارثة بيئية: كيف يهدد الهجوم الأمريكي–الإسرائيلي على إيران المناخ والاستدامة
الآثار البيئية للهجوم العسكري
–
يشهد العالم لحظة فارقة تتقاطع فيها اعتبارات الأمن الجيوسياسي مع التحديات البيئية والمناخية على نحو غير مسبوق، وفي ضوء التطورات الأخيرة المتمثلة في الهجوم الذي نفذته الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، يبرز بوضوح سؤال جوهري يتعلق بالأثر البيئي والمناخي لمثل هذا التصعيد العسكري في منطقة تُعد من أكثر مناطق العالم حساسية مناخياً واعتماداً على البنية التحتية للطاقة الأحفورية.
الاستهلاك المفرط للطاقة
إن العمليات العسكرية الحديثة تعتمد على منظومات عالية الاستهلاك للطاقة، تشمل الطائرات المقاتلة بعيدة المدى، وحاملات الطائرات، والصواريخ الموجهة، والمركبات البرية الثقيلة، وكلها تستخدم كميات ضخمة من الوقود الأحفوري في فترات زمنية قصيرة. احتراق وقود الطيران وحده ينتج في الطلعة الواحدة أطناناً من ثاني أكسيد الكربون، فضلاً عن أكاسيد النيتروجين والجسيمات الدقيقة، وعند تكرار هذه الطلعات على مدى أيام أو أسابيع تتراكم الانبعاثات بصورة مفاجئة ومركزة.
استهداف البنية التحتية النفطية
إذا انتقلنا إلى مستوى آخر من التحليل، فإن استهداف منشآت النفط والغاز أو المصافي أو خزانات الوقود يضاعف حجم المشكلة. احتراق المواد الهيدروكربونية في بيئة مفتوحة يؤدي إلى إطلاق كميات هائلة من ثاني أكسيد الكربون والكربون الأسود والمركبات العضوية المتطايرة. الكربون الأسود على وجه الخصوص يمتلك قدرة عالية على امتصاص الإشعاع الشمسي، ما يسهم في رفع درجات الحرارة محلياً ويؤثر في التوازن الإشعاعي.
التأثير على التربة والمياه
الأثر البيئي لا يقتصر على الهواء وحده. القصف الذي يطال البنية التحتية الصناعية قد يؤدي إلى تسرب مواد كيميائية ونفطية إلى التربة والمياه الجوفية. هذه الملوثات قد تبقى في البيئة لسنوات طويلة، وتنتقل عبر السلسلة الغذائية، ما يهدد الأمن الغذائي والصحي للسكان.
التأثير على المناخ العالمي
من منظور مناخي أوسع، فإن التصعيد العسكري في منطقة ذات ثقل نفطي عالمي قد يؤدي إلى اضطراب في أسواق الطاقة، وارتفاع في الأسعار، وربما إعادة ترتيب أولويات بعض الدول في مزيج الطاقة لديها. في حالات سابقة، أدت أزمات الإمدادات إلى عودة مؤقتة لاستخدام الفحم أو الوقود الثقيل لتعويض النقص، وهو ما يعني زيادة إضافية في الانبعاثات العالمية.
تكلفة إعادة الإعمار
يجب أيضاً النظر إلى التأثير التراكمي لإعادة الإعمار. فالبنية التحتية التي تتعرض للتدمير تحتاج إلى إعادة بناء، وهذه العملية تستهلك كميات كبيرة من الأسمنت والصلب والطاقة، وهي قطاعات معروفة بكثافة انبعاثاتها. وبالتالي فإن الأثر المناخي للحرب لا ينتهي بانتهاء العمليات العسكرية، بل يمتد إلى مرحلة ما بعد النزاع، حيث تتضاعف الانبعاثات نتيجة أنشطة إعادة التأهيل وإعادة البناء.
التعاون الإقليمي والدولي
كما أن هناك بعداً إقليمياً لا يمكن تجاهله. حركة الرياح والتيارات الهوائية في المنطقة قد تنقل الجسيمات الدقيقة والملوثات إلى دول الجوار، ما يجعل التأثير عابراً للحدود. وهذا يطرح مسألة المسؤولية البيئية المشتركة، والحاجة إلى تعاون إقليمي لرصد جودة الهواء والمياه وتبادل البيانات البيئية في أوقات الأزمات.
الآثار الصحية
من الناحية الصحية، ترتبط زيادة الجسيمات الدقيقة وأكاسيد النيتروجين بارتفاع معدلات أمراض الجهاز التنفسي والقلب والأوعية الدموية. في مناطق النزاع، حيث تتعرض الأنظمة الصحية لضغوط هائلة، قد يؤدي التلوث الإضافي إلى مضاعفة العبء على المستشفيات ومرافق الرعاية الصحية.
الاستراتيجية المستقبلية
في الإطار الاستراتيجي، أرى أن الوقت قد حان لإدراج الانبعاثات العسكرية ضمن منظومات القياس والإبلاغ الوطنية للانبعاثات، بما يعزز الشفافية والمساءلة. صحيح أن بعض الدول تعتبر هذه البيانات حساسة لأسباب أمنية، غير أن التحدي المناخي العالمي يتطلب شمولية في القياس لا تستثني أي قطاع.
الخاتمة
إن العالم يقف اليوم أمام مفارقة واضحة. من جهة، تتزايد الجهود الدولية لتسريع التحول إلى اقتصاد منخفض الكربون، ومن جهة أخرى، تندلع نزاعات ترفع الانبعاثات وتدمر البنية التحتية وتؤخر مسار الاستدامة. هذه المفارقة تستدعي إعادة التفكير في مفهوم الأمن الشامل، بحيث يشمل الأمن البيئي والمناخي باعتباره جزءاً لا يتجزأ من الأمن الوطني والدولي.




