
.
الطالب العربي ذاكرة وتحدي
الدكتور بشير مصيطفى.. يكتب
19 ماي – عيد الطالب الجزائري
الطلاب العرب أمام تحديات الربع الثاني من القرن الواحد والعشرين
الدكتور بشير مصيطفى
وزير سابق | رئيس المؤسسة الجزائرية “صناعة الغد”
ذكرى لا تموت: 19 ماي 1956
يحتفل طلاب الجزائر الثلاثاء بعيدهم الوطني 19 ماي، وهو نفسه تاريخ “ندوة الشبيبة” التي تخلّد حدثًا مفصليًا في تاريخ الثورة الجزائرية: التحاق طلبة الجامعة الجزائرية بصفوف ثورة نوفمبر التحريرية في 19 ماي 1956.
ذكرى خفت وهجها في خضم التحولات الاقتصادية والاجتماعية والعلمية للنخبة الطلابية منذ 1991، تاريخ التحول من إدارة المركز إلى إدارة السوق. لكنها ذكرى راسخة في الذاكرة الجمعية للجزائريين، وحان أوان استعادتها في سياق يقظة تاريخية حقيقية.
ولا يختلف طلاب الجزائر عن زملائهم العرب فيما له علاقة بالتاريخ وهموم المستقبل. فماذا تعني إشارات الماضي لهم، وماذا ينتظرهم من تحديات؟
ماذا تعني الذكرى؟
التحاق طلاب الجامعة في الجزائر بصفوف الثورة التحريرية لاستعادة استقلال الوطن في 19 ماي 1956 ليس حدثًا عابرًا أو استثنائيًا. بل هو استكمال للوعي الثوري، أو فكرة “الثورة” عندما تنضج في سياق فكري محدد.
والثورة لدى كل جيل تحدث عندما تتوفر شروطها، ومنها:
-توسع المظالم
– *توفر المرجعية* سواء كانت دينية – بعثة النبي ﷺ 571م – أو فكرية فلسفية – الثورة البولشفية 1917م
– *الاستعمار* – ثورة الزنوج الأمريكية 1950
وفي حالة الجزائر، اجتمعت الشروط الثلاثة عند الموعد الحق: 27 أكتوبر 1954، بتحرير بيان ثورة أول نوفمبر في أعالي القصبة، ومراجعته في البويرة، وطبعه في أعالي تيزي وزو، ثم توزيعه عبر ولايات الوطن.
وهكذا تعني الذكرى موضوعًا واحدًا: *استكمال منظومة “الثورة” بالتحاق الجميع* من رجال ونساء وشباب وطلبة عام 1956. ما يؤكد قاعدة تاريخية هي: *الفكرة القوية تصنع رجالها.
ليس هناك عدد معروف لطلبة الجامعة الجزائرية المضربين أو الملتحقين بالثورة التحريرية بسبب احتكار المحتل لنظام الإحصاء. لكن شهادات الشهود تجمع على أن عددهم مهم مقارنة بالمنتسبين للجامعة الجزائرية حينها من الجزائريين. ما يعني درجة متقدمة من وعي الطالب الجزائري الذي عاش أجواء التحول من حالة _”القابلية للاستعمار”_ إلى حالة _”القابلية للتغير”_. وهذا الوعي هو نفسه الوعي بالتحديات التي تلازم كل واحد منا طيلة التاريخ، ومنه تاريخ اليوم وتاريخ الغد.
تحديات اليوم والأمس
إضراب طلاب الجزائر في 19 ماي 1956 كان إضرابًا للتحدي في وجه الاحتلال ودعمًا لفكرة “الثورة” التي صممتها مجموعة 22 التاريخية.
لكن اليوم تطور التحدي أمام الطالب الجزائري، عندما لامست الأسرة الجامعية حجم *1.3 مليون طالب* أو 3% من عدد السكان. رقم مهم على خارطة الديمغرافيا والسياسات التعليمية للدول، لم يكن ليتشكل لولا قيم نوفمبر التي أسست للسياسات الاجتماعية للدولة.
وهكذا لم يذهب جهد طلاب 1956 المضربين عن الدراسة هدرًا، بل حصد مكاسب ما زال طلبة الاستقلال يتذوقونها:
– مجانية التعليم الجامعي بكل أطواره
– مجانية الخدمات الجامعية كلها، والتي تلامس كلفتها 30 مليون سنتيم سنويًا
ومن تحديات الاحتلال إلى تحديات الاستقلال الذي مر عليه أزيد من نصف قرن، إلى تحديات اليوم وتحديات المستقبل. ومن هذا المستقبل، *المستقبل القريب: الربع الثاني من القرن الحالي 2025-2050*، وهو ربع حافل بتحديات حقيقية.
تحديات الربع الثاني من القرن 21 للطالب الجزائري والعربي
تأكيد تمسك الطالب الجزائري بقيم ثورة نوفمبر مقابل المؤثرات الفكرية ونظام التعليم. كلنا يذكر حملات التطوع التي كانت الجامعة الجزائرية تنظمها منذ السبعينات والثمانينات عبر ولايات الوطن. وأذكر أنني كنت مشاركًا دائمًا فيها ولو من الثانوية. ولم تقتصر تلك الحملات على معاونة المزارعين وإسعاف العائلات فقط، بل تعدتها لنشاطات وطنية تجمع المتطوعين حول قضايا الوطن في شكل محاضرات وعروض مسرحية وفنية.
ومن تحديات الربع الثاني من القرن الحالي أمام الطالب الجزائري ومعهم الطلاب العرب:
1. *الاندماج في اقتصاد المعرفة*: اندماج الطالب الجزائري والعربي في أهداف التنمية المبنية على المعرفة، من خلال الجهد الذاتي المكمل لجهد الحكومة في تصميم وتنفيذ مناهج التعليم العالي.
2. *رباعية التنمية*: انخراط الطالب في رباعية *الدراسة – البحث العلمي – الابتكار – المؤسسة*، وهي نفسها رباعية الانخراط في التنمية الوطنية الشاملة.
3. *جودة التكوين لا الكم*: الانخراط في التعليم العالي المبني على جودة التكوين وليس كمية العدد أو البرامج.
4. *التوازن بين التخصصات*: الانخراط في التكوين العالي المبني على العلم التطبيقي، واسترجاع التوازن بين الطلب على العلوم الاجتماعية والإنسانية والطلب على العلوم الدقيقة. ومن ذلك رفع نسبة طلاب تخصص الرياضيات إلى إجمالي الطلاب من عتبة 1% إلى السقف المطلوب حسب معيارية جودة التعليم.
5. *الأهداف الاستراتيجية لطلب العلم*: استحضار أن ممارسة الطالب لطلب العلم تهدف إلى:
– تحقيق الإقلاع الاقتصادي للأمة
– تحقيق الصعود
– تحقيق التقدم آفاق 2050، أي عند نهاية الربع الثاني من القرن
المخزون البشري: فرصة أم عبء؟
تنمو ديموغرافيا الجزائريين برسم العام 2025 بنسبة 1.8% سنويًا، ما يعني *مليون مولود جديد كل عام*. والرقم مرشح للصعود كلما تحسنت ظروف الزواج. وقد يصل عدد طلاب الجزائر بالجامعات إلى 2 مليون آفاق المستقبل المتوسط.
وهو مخزون استراتيجي من الموارد البشرية ذو حدين:
إما توجيه مدروس لسوق الشغل ومهن المستقبل،
أو توسع لبطالة حاملي الشهادات أو حاملي معارف لا وظيفة لها في حياة الناس.



